قصة"عمار" للكاتب عبدالرحمن القصاص...




كان ثلاثتهم  أمام التلفاز الصغير في غرفة أم عمار التي دائماً ما تكون الملجأ الدافئ في شتاء رام الله القارص، تجلس سارة على الأرض وبجوارها ابنها ذو السبع سنوات والذي كان يدقق في صورة أبيه عمَّار القديمة والمعلقة على الحائط وقد علاها الغبار وهو منهمك في رسمها..


-يما تعي شوفي شو رسمت...رسمت ابوي


نظرت سارة للرسمة التي رسمها ابنها، تدقق فيها، إنه هو !..هو بعينه، نفس العينين الواسعتين والأنف المتسق والشعر الكثيف، تحملق في الصورة ثم تنظر لابنها الذي ينتظر رأيها وهو يضع القلم الرصاص في فمه ، تأخذ سارة الصورة وتذهب لأم عمار ..


-شوفي شو رسم حفيدك يمَّا ..شوفي


سرعان ما ترتدي أم عمار النظارة، وتحملق في الصورة، واتسعت ابتسامتها شيئاً فشيئاً وظلت تنظر إلى الصورة لدقائق وكأنها تستعيد ما مضى، ثم سحبت الطفل من يديه وظلت تغرقه بالأحضان والقُبل وهي تبكي.


خرجت سارة من الغرفة وابتسامتها تضئ وجهها، دخلت الغرفة المجاورة وأغلقت الباب وراءها حين جاءها ذلك الطيف الذي لا ينفك يجيئها رغم أنف السجَّان، تذكر عمار زوجها وتأخذها الذكرى لذلك اليوم الذي بُشِّرتْ فيه وهي في غمرة ابتلاءها بحضور عمَّار الصغير .


كان هذا منذ سبع سنوات خلت، في ذلك اليوم كانت تسير في زقاق من أزقة السُّوق الممتدة والمتفرعة إلى أزقَّةٍ كثيرة تتفرع عن الشارع الرئيسي للسوق حيث ينتشر الباعة على طرفيه، تحمل في يدها حقيبة صغيرة أشبه بالقفص، تقف عند بائع الطماطم تارة تقلب في الثمرات ثم تزن كيلوا جراماً يكفي لها ولحماتها أم عمار، تكمل جولتها اليومية القصيرة فتذهب لبائع البطاطس فتشتري ما يكفي اثنتيهما، كان كل ما  يشغل بالها آنذاك.. عمار، الأفكار التي لا تنفك تهاجمها عن.. كيف ينام؟ كيف يأكل؟ ماذا يأكل؟ كيف حال جسده، وقلبه؟ هل لا زالت تسكنه أم بددت وحشة السجن ذلك الحب الغض، تذكر بينما تقلب في الثمرات نزولها للسُّوق لأول مرة بعد زواجهما بيومين، وحين طبخت له لأول مرة بيديها، كانت فتاة عشرينية شقيَّة في اللعب، ترسم له قلوباً على الأرز بصلصة الطماطم، وتصنع له الشاي بالملح وتضحك إذ يتذوقه وهي تلحظ ردة فعله التي لا تشي بأي شئ، كان حبهما بسيطاً وصادقاً، إلى أن أُسر عمار ذات ليلة اختلط بها الحزن بالفخر في مزيج غريب لا يحدث إلاّ في فلسطين، واستحالت الأيام بالنسبة لها لكوابيس متتابعة تخص المستقبل المظلم. لم تفرح به إلاّ شهرين من الزواج وبعدها أُسر وحُكم عليه بالمؤبد، أخبرها في زيارتها الأولى له، أنه يترك لها كامل الحرية للإنفصال، ولكنها غضبت منه وبكت وهي تقول :

"نحنا فخورين فيك وبلي عملته منشان دينك ووطنك..كيف رح اتخلى عنك يا عمار!"

كان يعلم أن مسألة خروجه من السجن شبه مستحيلة، فهو محكوم بالمؤبدٌ ومؤبدٌ يعني مئة عام، وهل بعد انقضاء المئة عام خروج! بحكمة أبٍ علَّمها الأمل فقال مازحاً محاولاً التخفيف: 

(انتظري رجوعي كل يوم..واتركي لي نصيبي من الطعام حتى إذا رجعت بلاقي شي آكله..بتعرفي..المسافة بعيدة بين السجن والبيت)  

منذ ذلك اليوم  وهي تضع له نصيبه من الطعام بالثلاجة، يوم واثنين وثلاثة إلى أن يفسد فترميه للقطط وتضع غيره.


 وها هي السنوات العشر التي قضاها في السجن لم تحرك ذلك الشوق المتدثر بالأمل بداخلها قيد أنملة، إنه رابض في منامها وكأنه الراحة، ورابض في مأكلها كأنه الشبع وفي كل تفاصيلها وكأنه يختبئ في ذرات الهواء..ولا زالت تضع له الطعام وتغيره إذا فسد، فإنها ورغم السنوات العشر محتفظة بنفس الأمل.


بينما هي تقلب في الثمرات وتفاضل بين أحجامها رن هاتفها الصغير، أخرجته من محفظتها فوجدت الإسم (خالتي خديجة ) أم عمار، فتحت الخط.


-اشتريتي الطلبات يا سارة؟


-اي يمَّا، اشتريتها.. دقيقتين وراجعة إن شاء الله 


-طيب حبيبتي...بسرعة لأني عندي خبر رح يفرحك كتير 


-قولي..قولي


-لا بس ترجعي بحكيلك 


-والله ما بقفل قبل ما تقولي...فيه أخبار عن عمار ..صح؟


أطلقت أم عمار ضحكة عجوز، وأجابت:


-اي نعم ... جهزي حالك عرفت أنو ممكن نزوره بكرا في سجن نفحة العسكري


أجابت وقد تركت حقيبتها الصغيرة عند بائع البطاطس وهي تمشي مجتازة الأزقة والشوارع بسرعة وكأنها تجري..


-بتحكي جد...يما قول والله ما بتكدبي صح؟

                          

                                     .........


كانت تنتظر وهي تضغط على أصابعها في توتر، وعيناها على الباب الذي يفضي إلى ردهة طويلة من الزنازين المتجاورة، يخرج أشخاص كثر  بتتابع بطئ، ومع كل شخص يخرج جمع من الناس يتوجهون إليه ويقابلونه بالأحضان والقبل والبكاء، ظلت تحدق في الباب، إلى أن ظهر عمار يرافقه شخص، جرت إليه، ارتمت في حضنه، كانت تبكي وكان يواسيها بابتسامته التي لم تتغير أبداً، كان الشيب قد عرف الطريق لرأسه فبدت شعيرات بيضاء متفرقات تغزُّ الخطى بين شعره الكثيف. 

سلم على أمه وقبل يدها، احتضنته وهي تقوِّيه بكلماتها النابعة من إيمانها القوي وتكيل له الدعوات بالصبر والثبات.

قضى الوقت المخصص للزيارة وهو يسأل عنهم  وعن أحوالهم، وعن الجيران والأقارب، لم تتحدث سارة حينها، كانت تنظر إليه وكأنها تود الإحتفاظ بأكبر قدر من الذكرى تسليها إذ يقرصها الفراق من قلبها. انتهى وقت الزيارة سريعاً جداً،  واقترب السجان فاحتضن سارة ثانياً مودعاً لها وهو يضع في يدها شيئاً وهو يغلق يدها وكأنه يخبرها (خبئيه).


انطلق به السجان وهو ينظر خلفه ويودعهم وهو يوصيهم بأن يكونوا بخير وأن يطمئنوا عليه، انتظرت سارة إلى حين الخروج من السجن ومنطقته المليئة بالكمائن، وظلت مخبئة لتلك العلبة الصغيرة تحت خمارها بينما تقف السيارة للتفتيش، وفي طريق العودة سرعان ما أخرجت الشئ الذي أعطاه لها عمار فإذا هو علبة صغيرة جداً ومغلقة، محاطة بورقة ملصوقة بعناية، أزالت ذلك اللاصق ببطئ فوجدت الورقة مكتوب عليها .


(حبيبتي ورفيقة دربي سارة ..

آن لنا أن ننجب الطفل الذي حلمنا به سوياً رغم السجن والسجان،  اذهبي لصديقي الدكتور  سعيد عبدالكريم  وهو سيخبرك ماذا تفعلين..)


حين ذهبت للدكتور أعلمها أن تلك التي في العلبة الصغيرة  نطفة من زوجها عمار، وأنه بالإمكان أن تنجب منه، عن طريق ما يسمى بالتلقيح الصناعي، مرت الأيام وأجريت الفحوصات الطبية اللازمة للتأكد من العينة وصالحيتها، إلى أن جاءت البشرى تزف إلى قلب سارة حين جاءتها مكالمة من المركز الطبي تقول أن العملية نجحت وأنها ستكون أُماً لطفل من عمار، خرج الدكتور ومعه أم عمار وسارة وأسرتها وتم الإعلان بالمسجد أنه ..


(انه وفي اليوم الرابع عشر من شهر رمضان المبارك، حضرت السيدة:  سارة محمد اسماعيل بصحبة والدها ووالدتها وأم الأسير الحر عمار أكرم إلى المركز الطبي وسلمت الطبيب سعيد عبدالكريم نطفة زوجها عمار وتم الإخصاب بمعرفة جميع الحاضرين، بارك الله لهما في مولودهما وجعله زخراً لهما ولبلادهما وجعله على خطى أبيه البطل.)


تذكر حالة عمار حين اتصل عليهم من السجن عن طريق هاتفٍ مُهرَّب، أخبرته سارة أن  الحمل قد تم بنجاح، ظلَّ يُكبر ويحمد الله، وخلال ثوانٍ قليلة كانت التكبيرات تزاداد، تسمعها عبر الأثير وهي تزداد وتكثر شيئاً فشيئاً، وكأن الخبر انتقل للزنازين كلها في تلك الثواني القليلة، فيبتهج قلبها على وقع هذا النصر المشهود. حين أنجبت، كان ولداً جميلاً يشبه أباه، فأصرَّت أن تسمِّيه عمار على اسم أبيه. لم تمانع حماتها، بل أقسمت أنه فولة وانقسمت نصفين من أبيه حين ولادته.


                                 ............  


خرجت سارة من الغرفة  فقابلها عمار قائلاً..


-جوعان 


قالت وهي تمسح وجهها وتربت على رأسه بحنان


-طعام أبوك بالثلاجة.


سنة وراء سنة كان عمار الإبن يشبه أباه أكثر، لم تنقطع عادة سارة في أنها كل يوم تترك نصيب زوجها الأسير من الطعام، إلى أن الطعام لم يعد يفسد.!


تعليقات